05/02/2026
نداء عاجل إلى رئيس الجمهورية:
تأخر تسديد مستحقات المقاولين… خطر اقتصادي صامت يهدد مصداقية الدولة واستمرارية التنمية
لم تعد إشكالية التأخر الكبير في تسديد مستحقات المقاولين والمتعاملين الاقتصاديين المكلّفين بإنجاز المشاريع التنموية عبر مختلف ولايات الوطن مسألة تقنية عابرة أو اختلالًا ظرفيًا في التسيير، بل تحوّلت إلى معضلة بنيوية خطيرة تُنذر بانهيارات اقتصادية واجتماعية متتالية، وتمسّ في عمقها مصداقية الدولة وهيبتها والتزاماتها القانونية.
وفي هذا السياق، وحرصًا على أداء الأمانة التمثيلية، سبق لنا ـ في إطار نشاطات لجنة المالية والميزانية نهاية سنة 2025 ـ أن دقَقنا ناقوس الخطر، ونبهنا رسميًا إلى هذه الظاهرة التي أصبحت تؤرق آلاف المقاولين الوطنيين، وتضعهم في مواجهة مباشرة مع السجن أو الإفلاس، رغم أنهم ينجزون مشاريع وخدمات لصالح الدولة وبأمر منها.
إن المقاول الوطني اليوم يجد نفسه في وضع عبثي:
ينجز، يلتزم، يوظّف، يدفع أجور العمّال، يفي بالتزاماته الجبائية، ويسدّد اشتراكات الضمان الاجتماعي، ويؤدي مستحقات الممونين… دون أن يتلقى مستحقاته المالية في آجالها القانونية. فيدخل بذلك في دوامة لا نهاية لها من الديون، المتابعات، الغرامات، والضغوط النفسية، التي كثيرًا ما تنتهي بإفلاس المؤسسة، أو متابعة صاحبها قضائيًا، أو انهياره النفسي، بما لذلك من آثار مدمّرة على أسرته ومحيطه الاجتماعي.
وتبدأ هذه المعضلة، للأسف، حين تتملص بعض المصالح العمومية من تسديد الوضعيات الشهرية للمقاولين بحجج غير مهنية، على رأسها: عدم توفر الأرصدة المالية.
وهو تبرير يُعد في حد ذاته خرقًا صريحًا للقانون، لأن التشريع الجزائري ـ وعلى رأسه قانون الصفقات العمومية ـ يجرّم الانطلاق في إنجاز أي مشروع دون توفر التخصيصات المالية اللازمة له مسبقًا.
بل إن القانون واضح وصريح:
وضعيات الأشغال والخدمات يجب أن تُسدد في أجل أقصاه شهر واحد.
غير أن الواقع يُظهر أن هذا الأجل أصبح مرهونًا بإجراءات معقدة، تبدأ بطلبات متكررة من الخزينة العمومية المركزية، ثم انتظار أشهر إضافية لتسديد جزئي، إن تمّ أصلًا، وفق ما “يتوفر من مال”، في منطق يتنافى مع أبسط قواعد التسيير العمومي الرشيد.
الأخطر من ذلك، ومع تفاقم العجز المالي الذي سبق وأن نبهنا إلى مخاطره، لجأت بعض المصالح المالية إلى ممارسات ملتوية، من بينها الامتناع المتعمد عن إدخال طلبات تسديد مستحقات المقاولين في المنصات الرقمية المخصصة، تفاديًا “لتراكم الالتزامات المحاسبية”، وهو سلوك لا يفتقد فقط للشرعية، بل يكرّس فقدان الثقة بين الدولة والمتعاملين الاقتصاديين.
ويُضاف إلى ذلك الربط التعسفي بين التأخر في الإنجاز وعقوبات التأخير، دون الأخذ بعين الاعتبار أن سبب التعطيل هو أساسًا عدم تسديد المستحقات، ما يعرّض المقاول لعقوبات مجحفة، وفسخ تعسفي للصفقات، في مخالفة صريحة لروح ونص قانون الصفقات العمومية.
ولا يمكن في هذا المقام تجاهل ما يُعرف بـ “فترات غلق الخزينة”، الممتدة من نهاية السنة المالية إلى منتصف السنة الموالية، والتي قد تدوم من ثلاثة إلى ستة أشهر، يُترك خلالها المتعهد الاقتصادي دون أي مداخيل، رغم استمرار التزاماته، ما يؤدي إلى شلل المؤسسات، وتعطيل نسب الإنجاز، وتآكل الثقة بين مختلف المتدخلين في المشاريع التنموية.
من هنا، فإن مطلبنا واضح ومسؤول:
على وزارة المالية العودة إلى جادة الصواب، وضمان التوفير المسبق والفعلي للأغلفة المالية المخصصة للمشاريع، والابتعاد مستقبلًا عن سياسة برمجة مشاريع دون تمويل مؤكد، أو تمويل “بالتدرج”، لأن الدولة ـ بخلاف المواطن البسيط ـ لا تبرمج النفقة العمومية إلا بعد ضمان مواردها، وهي ملزمة قانونًا وأخلاقيًا بتسديد التزاماتها كاملة وفي آجالها.
إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تعطل المشاريع، بل في إمكانية إفلاس جماعي للمقاولين والمتعاملين الوطنيين، وهم ركيزة أساسية في التشغيل، وفي دعم النسيج الاجتماعي، وفي مساعدة الجمعيات والمنظمات التي تعنى بالفئات الهشة. وأي مساس بهم هو مساس مباشر بالتوازن الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
وعليه، فإن هذا المقال هو نداء صريح إلى رئيس الجمهورية، من أجل التدخل العاجل لتقويم هذا الخلل الخطير، ووضع حد لممارسات اقتصادية تُقوّض الثقة في الدولة، وتضرب مصداقيتها في العمق، وتُحبط المقاول الوطني، في وقت لا يبدو فيه هذا الإشكال مطروحًا بنفس الحدة مع المتعاملين الأجانب.
كما نذكّر، في هذا السياق، بضرورة الإسراع في تكريس مبادئ الدولة المنظِّمة لا الراعية، وفتح المجال الحقيقي أمام الخواص والشراكات، لأن الدولة ـ مهما بلغت إمكانياتها ـ لا يمكنها الإحاطة بكل دواليب العملية الاقتصادية، ولا يمكن للتنمية أن تستمر دون شراكة متوازنة، عادلة، وقائمة على احترام القانون والالتزامات المتبادلة.
إن إنقاذ المقاول الوطني اليوم هو إنقاذ للتنمية، وللاقتصاد، ولمصداقية الدولة.
والتأخر في المعالجة لم يعد خيارًا. عن النائب عن المجلس الشعبي الوطني عمر طرباق