03/06/2026
التصريحات والرسائل السياسية كمؤشر للوارد المائي في العراق - فيضانات الفرات أنموذجاً.؟
لم يعد ملف المياه في العراق يُدار أو يُقرأ فقط من زاوية الهيدرولوجيا التقليدية القائمة على معدلات الأمطار، وحجوم الخزن في السدود، ونماذج الجريان في حوضي دجلة والفرات. فكما دخلت السياسة بقوة إلى أسواق الطاقة، بحيث أصبحت التصريحات السياسية عاملاً مؤثراً في حركة أسعار النفط، يشهد ملف المياه بدوره تحولاً مشابهاً، حيث باتت المواقف والتصريحات الصادرة من أنقرة وطهران تُشكل “مؤشراً غير مباشر” لتوقعات الوارد المائي إلى العراق.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي من “إدارة المياه بالأرقام” إلى “إدارة المياه بالإشارات السياسية”، حيث لم يعد العراق يتعامل مع البيانات الهيدرولوجية وحدها، بل مع حالة من عدم اليقين ترتبط بما يصدر من تصريحات حول تشغيل السدود، أو ملء الخزانات، أو إدارة الروافد المائية المشتركة. وهذا ما يجعل قراءة مستقبل المياه أقرب إلى قراءة سوق يتأثر بالمخاطر والتوقعات، وليس فقط بالمعطيات الفيزيائية.
على غرار ما يحدث في أسواق النفط، حيث أصبحت التصريحات الصادرة من واشنطن وطهران حول التفاوض أو التصعيد تؤثر فوراً في الأسعار، فإن أي تصريح تركي يتعلق بإدارة السدود الكبرى على سد أتاتورك او سد اليسو، أو أي مواقف إيرانية تتصل بإدارة الروافد الشرقية لحوض دجلة، ينعكس مباشرة على التوقعات داخل العراق بشأن كميات المياه الواردة، ومستوى الشح أو الوفرة في الموسم المائي.
هذا التحول يعكس بوضوح دخول ما يمكن تسميته بـ“علاوة المخاطر المائية السياسية”، وهي حالة تقدير غير رسمي لكنها واقعية، تُضاف إلى الحسابات الفنية التقليدية. فبدلاً من أن يعتمد صانع القرار على التدفقات الفعلية فقط، أصبح عليه أن يقرأ أيضاً “نية التشغيل” و“اتجاه القرار السياسي” في دول المنبع، وهو ما يضاعف من حالة عدم اليقين في إدارة الموارد المائية داخل العراق.
في الواقع، لم يعد النهر مجرد نظام طبيعي محكوم بالدورة المناخية، بل أصبح نظاماً “هجينا” تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة. فالتغير في مستوى الإطلاقات المائية لا يرتبط فقط بكمية الأمطار أو ذوبان الثلوج، بل أيضاً بقرارات تشغيل السدود، وأولويات التنمية، وحتى السياقات السياسية الإقليمية في لحظات معينة. وهذا ما يجعل حوض دجلة والفرات أكثر حساسية للتقلبات السياسية مقارنة بغيره من الأحواض المائية في العالم.
ومن زاوية عراقية، ينعكس هذا الواقع في شكل تحدٍ استراتيجي مركب: كيف يمكن التنبؤ بالوارد المائي في ظل غياب استقرار في “الإشارات السياسية”؟ فكما أن الأسواق المالية تسعر المخاطر قبل وقوعها، فإن العراق بات مضطراً إلى التعامل مع المياه بوصفها ملفاً “توقعياً” لا “تاريخياً”، أي أن القرارات تُبنى على احتمالات مستقبلية أكثر من اعتمادها على بيانات حالية.
وهنا يظهر بوضوح مفهوم “تسعير المياه سياسياً”، حيث تصبح التوقعات بين سيناريوهات متباينة جزءاً من التخطيط المائي: سيناريو ارتفاع الشح في حال تشدد إدارة السدود في تركيا وإيران، وسيناريو الاستقرار النسبي في حال تحسن التنسيق الإقليمي، وسيناريوهات وسطية ترتبط بتقلبات تشغيل السدود وفق الظروف المناخية والسياسية.
إن هذا التشابه بين سوق النفط وسوق المياه ليس تشابهاً شكلياً، بل يعكس بنية أعمق في عالم اليوم، حيث تتداخل السياسة بالموارد الطبيعية بشكل غير مسبوق. وكما أن الأسواق النفطية أصبحت تتحرك قبل الفعل بناءً على التصريحات، فإن النظام المائي في العراق أصبح يتأثر قبل وصول المياه فعلياً، بناءً على “الإشارة السياسية” الصادرة من دول المنبع.
في النهاية، يمكن القول إن العراق يعيش مرحلة جديدة من إدارة الموارد المائية، حيث لم تعد المعادلة محصورة في “كمية المياه القادمة من المنبع”، بل في “ما الذي يُقال في المنبع عن المياه”. وبين الهيدرولوجيا والسياسة، يتشكل مستقبل أحد أهم الملفات الاستراتيجية في البلاد، في عالم أصبحت فيه الكلمة أحياناً أقوى من التدفق نفسه.