فاطمة سعد - الكنز في الرحلة

فاطمة سعد - الكنز في الرحلة مساحة آمنة

أنسام الحرملم تكن مكة المكرمة بالنسبة لنا مجرد محطة جديدة في غربة أبي، بل كانت الواحة الروحية التي لملمت شتات أرواحنا بع...
05/16/2026

أنسام الحرم

لم تكن مكة المكرمة بالنسبة لنا مجرد محطة جديدة في غربة أبي، بل كانت الواحة الروحية التي لملمت شتات أرواحنا بعد سنوات الخوف العجاف في القاهرة.
كانت بلاد الله الحرام فاتحة خير بركتها تفيض على أدق تفاصيل أيامنا، ولم يكن ذلك التدفق مادياً فحسب—رغم الرزق الوفير الذي غمرنا—بل كان فيضاً من السكينة والطمأنينة التي افتقدناها طويلاً.
كان أبي، المهندس، رجلاً يُحب مهنته إلى حد الهيام، بارعاً في تصميم وبناء المباني. ولم تكن مهارته في حسابات الخرسانة والحديد فقط، بل في قدرته العجيبة على أسر قلوب من يتعاملون معه؛ بدأت تلك المحبة من كفيله السعودي الذي كان يرى فيه الأمانة والمهارة والبركة، وامتدت لتصل إلى أصغر عامل من عمال الحرم الباكستانيين الذين يرتدون ملابسهم الزرقاء المميزة.
كان لأبي مع هؤلاء العمال صولات وجولات يومية من الضحك،والدعابة العفوية التي تكسر حدة الغربة. في كل يوم، عند الساعة الخامسة فجراً، وقبل أن تبدد خيوط الشمس عتمة الليل، كان أبي يقف في صحن الحرم بهيام وتأمل يراقبهم وهم يمسحون الأرض الرخامية الطاهرة بتلك المساحات الخشبية الضخمة في حركة جماعية متناغمة تشبه الأمواج. لم تكن مجرد مراقبة عابرة، بل كانت طقساً روحانياً يعقبه توزيع ما تيسر من الصدقات عليهم، يمازح هذا ويدعو لبوادر ذاك، لترتسم على وجوههم ابتسامات عريضة تُنير ملامحهم المتعبة، ثم يصلي الفجر ويعود إلى بيتنا مع تباشير الصباح وقلبه يفيض بالسلام.
ومع مرور الأيام في مكة، كنا نكبر بسرعة ملحوظة. ويبدو أن رياح مكة المكرمة الجافة، وجوها الصحراوي الحار، كانا يحملان دواءً خفياً لأجسادنا ؛ فقد بدأت نوبات "الأنيميا المنجلية" تهدأ قليلاً، وتباعدت تلك الزيارات المفزعة والباكية التي كنا نقضيها تحت أضواء الطوارئ الفلورية ووسط صراخ الإبر.
كان وراء هذا الاستقرار جيش غير مرئي، يقوده أب مخلص لا يعرف الكلل، وأمٌّ هي "زهرة" بكل ما يحمله الاسم من بهاء وتضحية؛ ربة منزل ماهرة من طراز فريد، كان شغلها الشاغل وهمها الذي لا ينام هو الاعتناء ببناتها الثلاث، ومحاربة هذا المرض الغامض الذي لم يكن مفهوماً علمياً بشكل كامل في ذلك الوقت. وفي وسط هذه المعركة الصامتة، كان صغيرنا الفتي "فارس" ينمو أمام أعيننا مثل نبتة طيبة، يزداد وسامة وتتضح ملامح رجولته الفطرية يوماً بعد يوم، يحيطنا بخوفه الشديد علينا، ويحرس طفولتنا بحب جارف كأنه يمتص كل أوجاعنا.

خلطات الدعم

بينما كانت تحاليل دمائنا الدورية تأتي دائماً بأرقام صاعقة، وصورة دم سيئة تُقلق بال أطباء الدم الذين لم نكن نفوّت فرصة لزيارتهم في عياداتهم ومستشفياتهم، كان لأبي وأمي "مستشفى موازٍ" خاص جداً داخل البيت! كانا يرفضان الاستسلام لتلك الأرقام اللعينة في الأوراق الطبية. لم يتركا فرصة، ولا نصيحة، ولا وصفة شعبية يسمعان عنها من قريب أو بعيد، إلا وقررا تجربتها فوراً لإنقاذ ورداتهم الثلاث.
تحول مطبخنا في مكة إلى معمل كيميائي تديره أمي بقلب يرتجف خوفاً وأملًا. وبدأت رحلتنا الشاقة والممتعة مع الأعشاب الطبيعية، والعسل الجبلي الأصلي، والشوربات الغريبة، وكميات لا تنتهي من اللحوم الحمراء والبروتينات، وكل ما يُشاع بين الناس أن فيه شفاءً بأمر الله؛ فكانا يبذلان الغالي والنفيس ويشتريان أغلى المكونات لعل خطة منزلية تنجح في رفع الهيموجلوبين ولو درجة واحدة.
وفي غمار هذا البحث المستميت عن الصحة، جاءت "المؤامرة الغذائية الكبرى" من حيث لا نحتسب، وتحديداً من قلب الحرم المكي!
في صباح أحد الأيام، عاد أبي من صلاة الفجر وعلى وجهه علامات النصر والابتهاج، كأنه عثر على كنز مفقود. لقد التقى في الحرم بأحد العمال الباكستانيين المقربين إلى قلبه—أكرمه الله أو سامحه، لا ندري كيف نصنف فعلته حتى الآن!—ودار بينهما حديث عن ضعف بنية البنات الشاحبات. هنا، تبرع العامل بوصف "السر الأعظم" والصيغة السحرية الإعجازية التي يشربها الأطفال في قراهم بباكستان ليصبحوا بصحة الحديد، بل ويشربها الكبار ليزدادوا قوة وبأساً.
لم تكن الوصفة مجرد شوربة دافئة تمر بسلام، بل كانت اختراعاً مرعباً متكامل الأركان: كمية من اللحم الأحمر المسلوق، يُضاف إليها العدس الأصفر، وتُرمى فوقها أنواع مختلفة من الخضروات المسلوقة كالكوسا والجزر والبطاطس.. حتى هنا، يبدو الأمر مغذياً ومنطقياً. لكن الإبداع الباكستاني تجلى في الخطوة القاضية:
يُؤخذ هذا الخليط الساخن بأكمله بمرقته، ويوضع في خلاط المطبخ، ويُضرب ضرباً مبرحاً دون رحمة حتى تتلاشى ملامح اللحم والخضار، ويتحول إلى سائل لزج، ثقيل، وبني اللون!
والأنكى من ذلك، أن القرار السيادي صدر فوراً: على الأطفال الأبرياء (نحن الثلاثة) أن يتجرعوا هذا الاختراع السحري كل يوم صباحاً، ساخناً، وعلى الريق قبل التوجه إلى المدرسة.

ولم تتوقف الكارثة عندنا نحن البنات المريضات؛ بل إن الحماس الجارف دفع أبي وأمي إلى شمول "فارس" في قائمة الضحايا! نعم.. قرروا أن يشربها معِنا من باب "الوقاية خير من العلاج"، وزيادة الخير خيرين.
صار المشهد الصباحي يتكرر كأنه مشهد من فيلم كوميدي تراجيدي مستمر؛ نقف أنا وشقيقاتي في المطبخ بكامل أناقتنا المدرسية، حقائبنا الثقيلة فوق ظهورنا، وعيوننا شاخصة برعب تام نحو خلاط المطبخ وهو يدور ويزأر بصوته المرتفع، مُعلناً نضوج " الشوربة الباكستانية" كما سميناها."
تتقدم أمي بكل حنان وجدية، تصب المسحوق اللزج التي تتصاعد منه الأبخرة في أكواب زجاجية كبيرة، بينما يقف أبي بجوارها مبتسماً بملامح يملؤها اليقين والفخر، يتابع المشهد وكأنه يوزع علينا إكسير الحياة والمناعة المطلقة التي ستقهر المنجلية في ثوانٍ.

في هذه الأثناء، كان "فارس" يتحول إلى غزال شارد يركض في أرجاء الشقة صعوداً وهبوطاً، محاولاً الإفلات من قبضة أمي وأبي، وهو يصرخ بأعلى صوته باحتجاج مرير ويقين تام
- واللهِ العظيمِ أنا معافى! واللهِ ليس بي أيُّ علّة.
لكن توسلاته كانت تضيع أدراج الرياح أمام إصرار الوالدين اللذين لم يتركا له فرصة للهرب، حتى يمسكاه ويجبروه على أخذ نصيبه من الاختراع العجيب.
كنا نتبادل نظرات الوداع الأخيرة واليائسة، ثم نغلق أنوفنا الصغيرة بأصابعنا بإحكام حتى لا نتنفس الرائحة، ونرفع الأكواب لنتجرع هذا المزيج دفعة واحدة! لم يكن الطعم يشبه أي شيء خلقه الله في الكون؛ تخيل طعم ألياف اللحم المفرومة ناعماً مع كثافة العدس وسخونة الخضار، مزيج يرفض النزول بسلاسة في البلعوم ويعلق في منتصف الطريق. كنا نبتلعه والدموع تفر من عيوننا رغماً عنا، ليس من وجع المرض هذه المرة، بل من هول الصدمة والملمس اللزج!
وما إن ننهي الكوب حتى نتنفس الصعداء، وننطلق راكضين نحو باب المنزل اتجاه المدرسة، وأمعاؤنا تحاول جاهدة استيعاب تلك الشوربة التاريخية التي رافقت طفولتنا المأساوية، وظلت حتى يومنا هذا نكتتنا العائلية المفضلة التي نضحك عليها كلما تذكرنا كيف كان أبي وأمي يطاردان عافيتنا في كل مكان.

بسم الله الشافي

أما أنا، "زهرة"، أصغر زهرات البيت، فقد كان قدري أن أحمل العبء الأثقل من هذا المرض اللعين. منذ سنوات طفولتي الأولى، كانت صحتي هي الأكثر هشاشة، وجسدي الصغير الغض هو الميدان الأكثر شبهاً بالحرب؛ فكانت زياراتي للمستشفى ونقل الدم المتكرر تفوق ما مرت به شقيقتاي بكثير.
لم يكن المرض معي مجرد أرقام شاحبة في تقارير المختبرات، بل كان وجعاً حياً، كاسراً، ينهش أطرافي الغضة بلا رحمة. كانت نوبات الألم تباغتني كطعنات غادرة في منتصف الليل، فأستيقظ من نومي على صرخة مكتومة لا أملك لدفعها يداً، وأبكي بكاءً مريراً يمزق صمت البيت الهادئ.
وفي تلك اللحظات البائسه، لم يكن هناك أسرع ولا أحن من يدي أبي. كان "سعد" يهبّ من فراشه كمن أصابه برق، يندفع نحو غرفتي، ويلمّ جسدي الصغير المرتجف بين ذراعيه القويتين، يضمني إلى صدره الدافئ وكأنه يحاول أن يخبئني من الألم داخل ضلوعه.
كان يركض بي في عتمة الليل نحو السيارة، ومنها إلى المستشفى، حيث تبدأ الطقوس المعتادة: وخز الإبر، والمحاليل المنسابة في أوردتي الضعيفة، والمخدر الفوري الذي كان يهدئ ثورة الألم في أطرافي تدريجياً، لأسقط بعده في نوم ثقيل من الإنهاك.
وطوال تلك الليالي الطويلة، وحتى تشرق خيوط الصباح وتبدد تباشير الفجر عتمة الغرفة، لم تكن عين أبي تغمض، ولم تكن ذراعاه تتركانني. كان يجلس بجواري على ذلك الكرسي الخشبي القاسي، يمسد شعري بيده الحنون، ويهدهد روحي بكلمات تفيض باليقين. كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله، يرتل الأذكار بصوت خفيض دافئ، ويدعو بدموع خاشعة تنبثق من أعماق قلبه المكلوم:
- بسمِ اللهِ الشافي.. اللهم اشفِ زهرتي وأنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقماً.. بسم الله الشافي..
كان صوته، الممتزج برائحة اليقين والدموع، هو المخدر الحقيقي الذي يتسلل إلى قلبي قبل جسدي، ليمنحني الأمان بأنني، طالما كنتُ بين يديه، سأكون بخير دائماً.

صرخة الفارس.. أنا "رؤى"، كان عمري ثلاث سنوات حينها، لكنني أتذكر جيداً تلك الرائحة؛ رائحة اليقين التي ملأت بيت عمتي في ال...
05/11/2026

صرخة الفارس..

أنا "رؤى"، كان عمري ثلاث سنوات حينها، لكنني أتذكر جيداً تلك الرائحة؛ رائحة اليقين التي ملأت بيت عمتي في القرية.
في ليلة من ليالي العيد، وبينما كانت الجدران العتيقة تحتضن صمتنا المرتقب، دوت صرخة قوية، لم تكن مجرد بكاء لمولود، بل كانت صرخة فتىً جاء ليعلن انتصاره على مخاوفنا.
ما إن سمع أبي صوت الوليد، حتى لم يسأل عن جنسه، بل خرّ ساجداً عند باب الغرفة، يبلل الرخام البارد بدموع الشكر.
وحين خرجت عمتي الصغرى والزغاريد تسبق خطاها، كان "فارس" بين يديها، كتلة من النور والجمال.
همست في أذنه: "إنه صبي يا سعد.. لقد جاءك السند".

التحلق الجميع حول أبي، وعمتي تسأله بلهفة:
— "هل ستسميه 'مسعد' على اسم جدنا الذي ولد في حجرته؟"
نظر أبي إلى ابنه، كبّر في أذنيه، ثم قال بصوت يملؤه الفخر:
— "أبي واسمه على رأسي، وله في القلب مكانة لا تدانى.. لكنني سأسميه 'فارس'؛ ليكون فارساً مغواراً، وحامياً لشقيقاته البنات. أريده رجلاً فتياً، شجاعاً، يحمل اسمي واسم جده بالحق والعدل".
يومها، لم يأكل أهل القرية ذبيحة عادية، بل أكلوا من "عجل الخير" الذي ضحى به سعد، احتفالاً بقدوم الفارس الذي غيّر موازين الفرح في دارنا الصغير.

انتهى العيد، وحملت "زوبة" الحديدية أجسادنا وأحلامنا، ومعنا ضيف جديد وجدتي (أم أبي) التي عادت لتعين أمي التي كانت في تلك الفترة أشبه بمحارب يقاتل على جبهتين؛ جبهة الأمومة لطفل رضيع وطفلتين مريضتين، وجبهة العلم في سنتها النهائية بكليتها العلمية العريقة.

مرت الأيام، وزادت وطأة المرض؛ كبرنا وكبرت معنا رحلات نقل الدم.
أتذكر مشهد أمي في ردهات المستشفى، تحمل "فارس" على صدرها، بينما تهدهد بيدها الأخرى ابنتيها المريضتين.

كان ضيق ذات اليد يحيط بنا، لكن وجه أبي كان يزداد بشاشة والحمد لا يفارق شفاهه. كان يتصدق بالقليل الذي يملكه، ويبرّ أمه، ويحتوي أمي بحبٍّ جعلها تصمد أمام أثقل الأحمال.

عز الدين..

في تلك الأيام الصعبة، التي كانت تشبه اختباراً طويلاً لصلابة القلوب وطاقة الاحتمال، كان "عز الدين"، خالي الشاب، يأتي إلينا كالنسمة الباردة التي تهب بغتة في هجير الصيف؛ تحمل معها الخير والأمل.
لم يكن عز مجرد زائر عابر، بل كان تجسيداً حياً للمروءة والشهامة في أنقى صورها، شاباً جميلاً تفيض ملامحه بالطيبة وتسكن عيناه رحمة نادرة.

كانت يداه لا تدخلان بيتنا إلا محمّلتين بخيرات الأرض، هدايا السماء التي تجود بها قريتنا البعيدة؛ طيوراً ودجاجاً برياً ربتها جدتي بعناية فائقة وقلب محب، وخصصتها لـ"أمي" زهرة، لتستعيد قواها وتواجه أعباء الحياة والمرض.

كانت جدتي، بحكمتها الفطرية، تدرك أن الصحة النفسية تبدأ من سلامة الجسد، فتقول لابنتها بلهجة دافئة ومشجعة: "إن الروح والجسد يقتاتان من الحلق؛ فبالطعام الطيب والمغذّي تقوى النفوس وتصمد الأجساد في وجه المحن يا زهرة".

لم يكن حنان عز الدين مقتصر على الهدايا المادية، بل كان ينبع من أعماق قلبه المليء بالرحمة والحب الجارف. فقد كان هو الأخ الوحيد لثلاث شقيقات، وتربى على أن يكون لهن السند والحامي والعون، فكبر وقلبه متشبع بمشاعر المسؤولية والحنان تجاههن.
ومن بين شقيقاته، كانت "زهرة" تحتل مكانة خاصة في قلبه، فكانت الأقرب إليه، والأحب إلى نفسه.

كان عز يحزن لحزن زهرة، ويضيق صدره لأدنى كدر يصيبها، ويفرح لفرحها فرحاً طفولياً بريئاً.
كان يرقبها بعينيه القلقتين، ويتابع أحوالها وأحوال أسرتها باهتمام بالغ.
ورغم بعد المسافة، ظل خالي الطيب يزورنا على فترات قريبة ومتلاحقة، لا يمنعه تعب السفر ولا انشغالات الحياة من الوفاء بعهده تجاه شقيقته وأبنائها، فكان يأتي دائماً محمّلاً بالخير والحب، ليس لزهرة فقط، بل لكل أفراد أسرتها.

كان عز يراقب الفراخ في القرية وهي تكبر يوماً بعد يوم، ويختار أجودها وأكبرها ليذبحها بنفسه، ويأتي بها طازجة إلى بيت أبي.
كان يحترم أبي احتراماً كبيراً، ويراه أخاً كبيراً له، فكان يرافقه إلى المسجد للصلاة، ويشاركه في بعض أعماله، ويقضي معه أوقاتاً ممتعة في الحديث والمشاورة.

أما "فارس"، فقد كان لـ"عز" شأناً آخر تماماً، قصة حب فريدة من نوعها يلاعبه لساعات طويلة ويحمله بين ذراعية طوال فترة اقامته معنا واحب كذلك الصغير خاله حباً كبيراً.

وحين يحين وقت رحيل عز الدين، ينطفئ بريق عيني أمي، ويخيم الحزن والهدوء على البيت، ونشعر جميعاً بوِعثاء الغياب وثقل الشوق، في انتظار عودة "النسمة الباردة" التي تعيد الحياة إلى قلوبنا.

الفستان الوردي

في موقف لا يُنسى، أرادت جدتي (أم أمي) أن تمازح فارس، فألبسته فستاناً وردياً مزيناً بعصفورتين صغيرتين، وربطت له الحزام من الخلف.
بدا فارس في الفستان أجمل من أي فتاة، بوجهه المستدير وشعره الطويل، لولا تلك "النبرة" التي سكنت روحه. حين رأى الجميع يضحكون، نظر في المرآة، وبدأ يبكي بغضب عارم، يضرب على أذنيه ورأسه حتى يخلعوا عنه ذلك الثوب. كان ذلك أول إعلان رسمي عن رجولته التي لم تكن تقبل الهزل.

كان فارس قد بدأ يشق طريقه في الحياة بخطوات متعثرة ومضحكة، يمشى "مشية البطة" اللطيفة، جسده ممتلئ بجمال طفولي آسِر وضحكة عريضة تسع الكون بأسره.
كان طفلاً قنوعاً، لا يطلب من الحياة سوى اللعب بحرية، والنوم الهادئ بجوار شقيقاته.
كان فارس، رغم صغر سنه، فارساً شجاعاً بملامح عابسة مضحكة، لا يتردد في ضرب أي شخص يجرؤ على توبيخ شقيقاته أو إزعاجهن بيده الصغيرة، ممارساً دوره كحامٍ صغير لعائلته.

كبر فارس، وأصبح رفيقنا في الحضانة، وكان المشهد اليومي هو "فارس الصغير" يحمل حقيبتي وحقيبة "روعة" فوق حقيبته، يمشي بفخر واعتزاز كأنه خُلق لهذا الدور. في تلك الحضانة، لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من "أميرتيه"، فقد كان يدرك بقلبه الصغير أننا نحتاج حماية استثنائية، وقام بالدور على أكمل وجه.

الشيخ عبد العزيز

كان أبي حلمه الأكبر والأنبل أن يرى ذريته تحمل كتاب الله في صدورها، نوراً يضيء حياتنا وذخراً لآخرتنا. ولم يكن ليجد معلماً يحقق هذا الحلم خيراً من "الشيخ عبد العزيز"، إمام المسجد الملاصق تماماً لبيتنا، والذي كانت هيبته تسبق صيته في أرجاء الحي كله.

كان الشيخ عبد العزيز مدرسة في الصرامة والالتزام، رجل لا يعرف الهزل في مواطن الجد، خاصة عندما يتعلق الأمر بكلام الله.
وضع نظاماً صارماً لحلقته القرآنية؛ فمن أتمّ حفظه ورتله بإتقان، نال مكافأة فورية من قطعة حلوى ملونة يخرجها الشيخ من جيبه بابتسامة نادرة، أما من قصر أو تهاون، فكان ينتظره نصيبه المعلوم من "عصا الخيزران" الطويلة واللامعة، التي كانت تركن دائماً بجواره، كشاهد صامت وقاسٍ على الجدية.

في الحقيقة، ورغم صيت تلك العصا الذي ملأ قلوب أطفال الحي رعباً، إلا أن الشيخ عبد العزيز – للامانة والتاريخ – لم يستخدمها ضدنا "نحن البنات" يوماً؛ ربما تقديراً لوالدنا، أو رأفة بضعفنا. لكن، يكفي أن أقول إن مجرد "شكل" تلك العصا الخيزرانية، بلمعتها البنية وطولها الفارع، كان كفيلاً بإدخال الرعب في أوصالنا، وبث الفزع في قلوبنا الغضة بمجرد دخولنا المسجد.

كانت تلك الخيزرانة بالنسبة لنا أداة سحرية لبث الرهبة، تجعلنا نقفز من مكاننا إن تحركت، ونحبس أنفاسنا إن نظر الشيخ جهتها.
وبسبب هذا الرعب الدفين من فكرة "أن تُمسنا العصا"، كنا نجلس أمام الشيخ عبد العزيز مطأطئي الرؤوس، ونسمّع الجزء المقرر علينا حفظاً صمّاً، وكأن الكلمات نُقشت على قلوبنا، لا نجرؤ على اللحن أو الخطأ، خوفاً من أن تنطق الخيزرانة، حتى لو كان العقاب موجهاً لغيرنا.

كان المشهد اليومي يتكرر: بكاء ونحيب، وتوسلات مستميتة لأبي بأن يعفينا من الذهاب "اليوم" لجامع الشيخ عبد العزيز، تارة نتحجج بالمرض، وتارة بالتعب من المدرسة، وكل هذا بسبب الصرامة الخانقة التي كنا نشعر بها في حلقته. ولكن، واهٍ من إصرار أبي ويقينه!

لم يتهاون أبي يوماً واحداً، ولم يلن قلبه أمام دموعنا أو توسلاتنا.
كان يرى في تلك الصرامة، وفي ذلك الانضباط الحديدي الذي يفرضه الشيخ، الطريق الوحيد والآمن لغرس آيات القرآن الكريم في نفوسنا الغضة.
كان يرى تلك الحلقة القرآنية، رغم مشقتها علينا حينها، كجسر عبور آمِن نحو الجنة، وباباً مفتوحاً من أبواب الجنة نلجه منذ طفولتنا.
كان يحثنا على الصبر والتحمل، ويذكرنا دائماً بعظمة الهدف ونبل الغاية.

أما "فارس"، فكان له شأن آخر، فقد كان يمثل التحدي الأكبر للشيخ عبد العزيز بعبثه الطفولي وشقاوته.
كان فارس ينال النصيب الأكبر والوافر من توبيخ الشي و كانت العصا الخيزرانية تشير إليه في كثير من الأحيان، وكان فارس يرتعد خوفاً من أن تمسه، فكان ينظر للشيخ بعيون واسعة مليئة بالرعب، وينطق الكلمات القرآنية بصوت مرتجف.
وبفضل تلك الصرامة التي زرعت فينا الرعب، وإصرار أبي الذي لم يلن، حفظنا أجزاء كبيرة من القرآن في سن صغيرة جداً. وغرس الشيخ في نفوسنا، دون أن يدرك حينها، قدسية الكلمة الالهية، ومعنى الالتزام والمسؤولية تجاه كلام الله.
واليوم، ونحن كبار، ننظر لتلك الأيام بتقدير وحب متأخر للشيخ عبد العزيز، وندرك عظمة الصنيع الذي قدمه لنا أبي بإصراره على تعليمنا القرآن الكريم في رحاب الله.

زهرة الصغيرة.. والمخاض في الحي الغريب

أنا "زهرة"، جئت في عام 1989. نزل خبر حمل أمي بي كالصاعقة، بكت أمي خوفاً من تكرار الوجع، وسجد أبي وقبل جبينها واعداً إياها بالخير.
تحسن وضعنا المادي، وانتقلنا لحيٍّ أرقى، وكأنني حملتُ رزقي معي قبل ولادتي.
كان يوم عيدٍ أيضاً -كعادة أمي في إنجاب معظمنا في الأعياد- وكأن قدرنا أن نكون الفرحة التي تأتي بعد التعب. ذبح أبي عجلاً كبيراً، وقضت أمي يوماً شاقاً في توزيع اللحم على الجيران الجدد والأقارب. ومع انتصاف الليل، بدأ المخاض، وكان أبي غائباً يوزع اللحم في مكان بعيد بـ"زوبة". شعرت أمي بالذعر؛ طفلة ستولد مبكراً، وهي وحيدة في حي جديد.

بكل خجل وفي عز الليل، طرقت باب جارتها باكية. لم تكن هناك حاجة للكلام؛ فقد كان جيران الزمان أهلاً بلا صلة دم.
ركضت جارة أمي لإيقاظ زوجها، بينما نزلت جارة أخرى لتنام مع أطفالها، وتركوا ورقة على الباب لأبي: "سعد.. أدركنا في المستشفى، اليوم ستصبح أباً للمرة الرابعة".

زهرة على اسم زهرة

وصل أبي المستشفى تزامناً مع وصولي، بكت أمي حين رأتني؛ بكت لأنني "أنثى"، ولأنها علمت بحدسها الطبي أنني سأشارك شقيقاتي رحلة الثلاسيميا.

سماني أبي "زهرة" على اسم أمي، ليجبر خاطرها المكسور، ويثبت لها أن في بيته "زهرتان" يفتخر بهما.

ولدتُ بشعر أسود كثيف وملامح ملكية، وكان أبي يغرق في حب ملامحي يوماً بعد يوم.

ورغم أن أعراض المرض ظهرت عليّ مبكراً جداً، وشحب وجهي المستدير، إلا أن قدومي كان فاتحة الخير الأكبر.

فبعد عام واحد، تحقق حلم أبي الذي طال انتظاره: "عقد عمل في مكة المكرمة".

شتات الروح

كانت الكعبة المشرفة على مرأى من عينيه، يطوف حولها، ويلمس جدرانها، ويملأ رئتيه من عطر الحرم، لكن "سعداً" كان يعيش شتاتاً روحياً لم يعهده من قبل.
كان جسده في أقدس بقاع الأرض، يجاور بيت الله الحرام، لكن روحه كانت تحلق فوق تلك الشقة الصغيرة في الحي الهادئ بالقاهره، تسكن بين "زهرته" الكبيرة وزهراته الصغيرات، وتداعب خصلات شعر "فارس" الفتى.

في كل سجدة بين يدي الله، كان يدعو بدموع خاشعة أن يجمعه بهم، وكان لسانه يلهج بعبارته الشهيرة التي كان يختم بها كل رسالة مسجلة: "حسبي الله في غُربتي، وقلبي مع أحبتي".

وفي غمار هذا الشوق العارم، بدأ أبي عهداً جديداً من "الرسائل المسجلة"، أشرطة كاسيت كنا ننتظرها بلهفة تضاهي لهفة الصحراء للمطر.
كان يحمل إلينا صوته، دافئاً ومطئمناً، يحكي تفاصيل غربته بدقة، يصف لنا مشاعره عند رؤية الكعبة لأول مرة، وكيف يفتقد جلوسه بيننا، وضحكات الأطفال، وحتى رائحة طعام أمي.
كان يبعث لنا عبر تلك الأشرطة بحب جارف، ويدعو لنا باللقاء القريب، بعبارات تفيض يقيناً ورجاءً.

ولم تكن الأشرطة وحدها هي وسيلة التواصل؛ بل كانت ترفقها خطابات مكتوبة بخط يده، خطوطاً دافئة تشبه ملامحه، تعبر بكلمات رقيقة عن شدة افتقاده لنا، وكيف أن الأيام تمر ثقيلة عليه بدونا، وأن الفرحة لا تكتمل إلا بوجودنا بجانبه.
كانت تلك الأشرطة والخطابات تفيض روحاً ومشاعر، وتجسد عمق العلاقة التي تربطه ببيته الصغير؛ عكس برودة رسائل اليوم الإلكترونية البليدة، التي تفتقر للحس الإنساني والدفء.

وبعد عام كامل من الشوق المستميت والصبر المرير، عام لم يخلُ يوم فيه من الدعاء بدموع خاشعة من كلا الطرفين، عام كنا نقتات فيه على صوت أبي وكلماته المكتوبة؛ وصل "خطاب البشرى".
كان خطاً عريضاً ودافئاً، يحمل توقيع سعد، وبداخله "خمس تذاكر سفر" – تذاكر العبور نحو الفرح و اللقاء.

لا يمكن وصف حجم الفرحة التي اجتاحت بيتنا حينها!

انفجرت دموع الفرح من عيون أمي، وعلت ضحكات الأطفال، وكأننا نولد من جديد. حزمنا حقائبنا بسرعة، محملين بلهفة لا توصف، ورحلت أمي وأطفالها إلى الأرض المقدسة، لتبدأ ملحمتنا فصلاً جديداً، في أطهر بقاع الأرض، حيث يلتئم الشمل، ويشرق فجر جديد من الأمل والحياة.

جسرُ الطمأنينة وعبورُ الأملغادرت أمي المستشفى تلك الليلة، وهي تحمل في أحشائها همًّا ثقيلًا، وفي قلبها يقينًا وليدًا، زرع...
05/04/2026

جسرُ الطمأنينة وعبورُ الأمل

غادرت أمي المستشفى تلك الليلة، وهي تحمل في أحشائها همًّا ثقيلًا، وفي قلبها يقينًا وليدًا، زرعه كلمات سعد الذي "رأى العطايا في قلب المحن". عادت لتواصل حياتها كطالبة وأم وزوجة لرجل لا يرى في الضيق إلا سعة الله.
العجيب أن أشهر الحمل تلك، مرت على أمي كأنها نسمة صيف باردة في هجير العاصفة. لم تشعر بعبء الجسد، ولا بثقل البطن المتنامية، وكأن الملاك الذي تسكن رحمها كان يحنو عليها من الداخل. لم تزعجها أعراض الوحم، ولم يرهقها قلق المستقبل الذي أطل برأسه مع الخبر. كانت أمي تتأمل بطنها، وتشعر بهدوء غريب يسري في أوصالها، وكأن الله، جلت قدرته، قد كتب على هذا الجنين أن يكون بلسمًا لقلب زهرة المكلوم، قبل أن تراه العين.
مرت الأيام، وركضت الساعات، حاملة معها نذر العيد، وموعد اللقاء المرتقب، في رحلة كتب الله أن تكون محطة فاصلة في سيرة العائلة...

روعة.. الوترُ الأرقُّ

أنا روعة.. الابنةُ الثانية لسعد، والوترُ الأرقُّ في معزوفةِ حياتِه

لم تكن طفولتي مجرد صراعٍ مع المرض، بل كانت "ملحمةَ حُب" بطلها رجلٌ لم يَرَ في عِلّتي نقصاً، بل رآها باباً للجنة. كنتُ أنا ورؤى رفيقتين في الوجع، وصديقتين في الضحك؛ نسرقُ من عتمةِ المستشفياتِ نوراً بضحكاتنا المكتومة، ونتقاسمُ أكياسَ الدمِ وكأنها أمانةٌ تزيدُ رباطنا وثاقاً.
أما أبي "سعد"، فقد كان يقرأُ خوفي قبل أن يظهر، ويحتوي قلقي قبل أن ينطق. كان يعلمُ أنَّ خلفَ ملامحي الهادئة روحاً تحتاجُ من الحنانِ ما لا تملكهُ الأرض، لذا كان يخصُّني بعناقٍ يكسرُ ضلوعَ التعب. كان يضمني بقوةٍ وكأنه يغرسُ في جسدي الضعيفِ جزءاً من صمودِه، ويمسحُ على رأسي بيقينٍ جعلني أشعرُ دائماً أنني "طفلتُه المدللة" لا "طفلتُه المريضة". معه، كان المرضُ مجردَ تفصيلةٍ هامشية، والحُبُّ هو الحقيقةُ الوحيدة.

مائدةُ العيدِ ومخاضُ الطريق

كانت الأيامُ تركضُ بنا نحو العيد، ووالدتي "زهرة" قد أتمت عامها الصغير في بطنِ أمي، التي كَبُر حجمها حتى باتت تمشي ببطءٍ وتمايلٍ كـ "البطة" الوديعة. كنا أنا ورؤى، كفراخِ البط، لا نتركُ أثرَ خُطاها، نمشي خلفها بفضولِ الأطفالِ وشوقِهم للقادمِ المجهول.
استعدَّ أبي "سعد" للعيدِ بطريقتِه الخاصة؛ اشترى لنا فستانين متطابقين تماماً، وتوكاتٍ ملونةً تلمعُ كأحلامنا، وبلالينَ ملأت أرجاءَ البيت. وقرر أن يحملنا جميعاً في سيارته التي اشتراها حديثاً، سيارة موديل قديم أطلق عليها أطفالُ الحي اسم "زُوبة" لشكلها المضحك، لكن "زُوبة" كانت جدعةً معنا، تئنُّ بمحركها وتوصلنا لكل مكان.

زُوبة.. الطفلة الحديدية التي زفّها الحيّ

لم تكن "زُوبة" مجرد سيارة بالنسبة لنا، بل كانت فرداً من العائلة بملامحها "المكشكشة" ومحركها الذي يُصدر صوتاً يشبه ضحكات العجائز. كانت ضئيلة الحجم بشكلٍ يثير السخرية والحب في آن واحد، حتى أن أطفال الحي يوم أن أحضرها أبي لأول مرة، لم يكتفوا بالدوران حولها، بل حدث ما لم يصدقه عقل!
اجتمع صغار الزقاق، وبحماسٍ طفولي فائق، تكاتفوا من جميع جهاتها ورفعوها بأياديهم الصغيرة عن الأرض! شالوها تماماً وهم يهتفون بأناشيد الفرح، وكأنهم يزفّون عروساً معدنية إلى باب بيتنا. وفي تلك اللحظة، خرج أبي "سعد" ليراهم، وبدلاً من أن يثور أو يخشى على سيارته الجديدة "القديمة"، انفجر ضاحكاً من أعماق قلبه. وقف يراقب "زفتهم" لزُوبة بامتنان، مشجعاً إياهم بابتسامته الواثقة، فـ "سعد" كان يرى في شقاوة الأطفال بركة، وفي بساطة مقتنياته وسيلة لإسعاد الآخرين، حتى لو صار ملكه الخاص "لعبة" في أيدي الصغار.

مهدُ الفطرة.. وطقوسُ الحياة

في منتصفِ الطريق، وبينما "زُوبة" تقاومُ رمالَ الطريقِ وحرارته، بدأت زهرة في البكاء. لم يكن بكاءً عادياً، بل كان أنينَ مخاضٍ باغتَ الجميع قبل أوانه بساعةٍ أو أكثر من الوصولِ للمدينة الكبيرة. كان أقربُ ملاذٍ لنا هو بيتُ عمتي العتيق في قريتها الصغيرة، ذلك البيت الذي بناه جدي بفخامةٍ ريفيةٍ قديمة.
لم يكن في القرية مشافٍ، بل كانت "الداية" هي سيدةُ الموقف. وصل سعد وهو يحملُ أمي بين ذراعيه كأنها ريشة، واستقبلته عمتي بفرحةٍ عارمة، فخورةً بأنَّ بيتها سينالُ شرفَ استقبالِ مولودِ سعد الجديد.

جاءت الداية "أم السعد"، التي كان السعدُ يرتسمُ على وجهها الحكيم. وفي مشهدٍ مهيبٍ غاب عنه ضجيجُ الآلاتِ والتعقيم، وبدأ في غُرفةٍ تعبقُ برائحةِ الأصالة؛ كانت عمتي تمسكُ بيدِ أمي، ونساءُ الحي يتسابقن للخدمة. هذه تحملُ طبقاً من الماءِ الساخن لا ندري سِرَّه، وتلك تأتي بفوطةٍ بيضاء، وأخرى أحضرت ثيابَ مولودٍ من بيتها لتباركَ لسعدٍ "الطيب" الذي عرفوهُ طفلاً وشاباً باراً.

كانت الغرفةُ الكبيرة في بيت عمتي أشبه بمحرابٍ مقدس، تفوح منها رائحة "المستكة" والبخور الخفيف المختلط برائحة الحطب المحترق لتسخين المياه. وفي وسط الغرفة، لم يكن هناك سريرٌ طبي بارد، بل "مهدٌ" صُنع بآلاف الدعوات؛ فُرشت الأرض بأغطيةٍ صوفية ثقيلة ووسائد مطرزة يدوياً، لتسند ظهر أمي "زهرة" التي كانت تصارع مخاضاً بدا وكأنه يعيد صياغة الزمن.

كانت تلك الأواني النحاسية المليئة بالماء الساخن تتصاعد منها أبخرةٌ تملأ المكان دفئاً، وحولها تحركت "أم السعد" ككاهنةٍ تعرف أسرار الجسد، تمسح على بطن أمي بزيوتٍ عطرية وكلماتٍ من الذكر الحكيم. أما عمتي، فكانت هي السند والوتد، تجلس خلف أمي، تحتضن كتفيها وتهمس في أذنها: "شدي حيلك يا زهرة، ابن سعد جاي ينور البيت".

لحظةُ الانفجار.. وصيحةُ النور

وفي تلك اللحظة التي حبس فيها الجميع أنفاسهم، حتى "زُوبة" المركونة بالخارج بدت وكأنها صمتت احتراماً للموقف، تعالت صرخات أمي المكتومة، تلتها زفرةٌ طويلة أخرجت معها "المعجزة".
لم يكن مجرد طفل؛ بل كان كتلةً من النور والجمال الصارخ. نزل المولود مكسواً ببياضٍ لؤلؤي يخطف الأبصار، أبيض كالثلج الذي حكت لنا عنه أمي في قصص الشتاء، وبوجهٍ مستديرٍ كالقمر ليلة تمامه. وما إن لمست يدا "أم السعد" جسده، حتى أطلق صرخةً هزت جدران البيت العتيق، صرخةً فتية قوية، وكأنه يعلن انتصاره على جينات الألم التي طاردت شقيقاته.

خديعةُ الحُب.. وجمالُ الصبي

لفّته "أم السعد" بمهارةٍ فائقة في "لفة" قطنية بيضاء، ودسته بسرعة تحت عباءتها السوداء الفضفاضة، محيطةً إياه بغموضٍ زاد من لهفة الجميع. وسط تساؤلات نساء القرية المتلهفات، رفعت صوتها بالنداء الشهير: "سعدية يا ولاد.. جتلكم سعدية!".
لكن عينيها كانت تحكي قصةً أخرى لأمي؛ غمزت لها بابتسامةٍ ماكرة، وجذبت طرف اللفافة قليلاً لتُريها ذاك الشعر الأسود الكثيف الذي يغطي جبينه وعينيه، وملامحه الرجولية الواضحة برغم صغره. كان وزنه أكبر من المعتاد، جسداً مليئاً بالحيوية، وكأنه خُلق من طينةٍ صلبة ليحمل عن أبيه "سعد" عبء الأيام.
في تلك اللحظة، وبينما كانت النساء يباركن لـ "أم البنات" بمولودتها الجديدة، كانت أمي تغرق في دموع الفرح الصامتة، وهي ترى "الصبي" الذي تمنته، يرفس بقدميه الصغيرتين طالباً صدرها، وكأنه يريد أن يرضع الصمود قبل الحليب. لقد جاء "سندُ سعد"، متخفياً في اسم أنثى، ليحمي قلوبنا من الخوف والمواجع.

عبق الثمانينات: سيرة الصبر والحب والقدركان لي من الحظ أوفرُه حين وُلدتُ في تلك الحقبة الرائعة، "الثمانينات"؛ فبالرغم من ...
05/02/2026

عبق الثمانينات: سيرة الصبر والحب والقدر

كان لي من الحظ أوفرُه حين وُلدتُ في تلك الحقبة الرائعة، "الثمانينات"؛ فبالرغم من أنني لم أشهد منها سوى أشهرها الستة الأخيرة، إلا أنني أفخر دومًا بكوني "ثمانينية" الهوى والانتماء, أشعر في أعماقي أنني لم أنتمِ قط لأي عصر تلاها، وكأن روحي تشكلت بملامح ذلك الزمن النبيل، ورنين أجراسه، وبساطة تفاصيله التي لا تعوض.
كنتُ الابنة الرابعة لأبوين شابين، جمعتهما قصة حب بدأت على القليل من المادة والكثير من المودة. كانت أمي "زهرة " آنذاك طالبة في إحدى الكليات العملية الشاقة، حيث المشاريع والمختبرات التي لا ترحم، ولم يكن استكمال الدراسة أمرًا يسيرًا وهي ترعى طفلتين صغيرتين؛ رؤى الكبرى وروعة التي تليها، في انتظار قدوم البقية.
تستحضر أمي تلك الذكريات وعيناها تلمعان ببريق الحنين والمشقة معًا، قائلة:
" كنتُ أجلسُ والوقت يداهمني، وأمامي كتاب الفيزياء الضخم بصفحاته التي لا تنتهي، أصارع المعادلات المعقدة بينما أُرضع طفلتي روعة وهي مستسلمة للنوم على صدري، وفي ذات الوقت، كانت قدمي لا تتوقف عن هزِّ الكرسي الهزاز الذي تجلس عليه رؤى.. كان كرسيًا فاخرًا، اشتراه أبوكِ بنصف راتبه في لحظة تدفق عاطفي، فغضبتُ منه يومها : الحليبُ أولى بهذا المال يا سعد! نحن نكافح لنشتري القوت، وأنت تشتري الأثاث الفاخر؟ لكنه كان زوجًا عاشقًا وأبًا حنونًا، كان يرى أن رفاهيتنا هي غايته الكبرى، وكان ليبيع الدنيا وما فيها ليفرش الأرض تحت قدميَّ بالورد، ويفدي بناته بقطعة من كبده دون لحظة تردد."
________________________________________

سعد.. نبتُ البرِّ في أرضِ القسوة

نشأ والدي "سعد" وهو الابن الخامس لأبويه في ظروف قاسية وجافة، رغم أن جدي كان من أعيان تلك القرية العريقة ومن ذوي الأملاك. لكن والدي كان ابن الزوجة الأولى، تلك السيدة التي ذاقت مرارة الظلم والتهميش طوال حياتها الطويلة. نشأ سعد بقلبٍ مشتعل بالبر، يمتص حزن أمه الشقراء الجميلة، ويسعى بكل جوارحه لتعويضها عما فاتها من تقدير.
وكما قيل: "البارُّ بأمه، لا يكون إلا زوجًا وأبًا عظيمًا"؛ فهذه هي القاعدة الذهبية التي جسدها سعد في أدق تفاصيل حياته. فبالرغم من ضيق ذات اليد وتعثر الظروف في بدايات حياته بذاك الحي الفقير، لم يترك بيتًا في الزقاق إلا ووضع فيه بصمة خير؛ يُصلح حوضًا مكسورًا في بيت أرملة، يبني جدارًا مائلًا لجارة مستورة، أو يشتري سجادة وتدابير شهرية لعجوز وحيدة تسكن في غرفة معزولة، كان يفعل ذلك بصمت المحب ودون أن ينتظر شكرًا من أحد.
أتذكر حديث أمي عن تلك اللحظات المهيبة وقت المخاض، وكيف كان سعد يخرج عن طوره من شدة القلق، يحملها بين ذراعيه ويركض بها في طرقات الحي نحو مستشفى الولادة، والدموع تسيل على لحيته الخفيفة، يبكي ويتضرع تحت قدميها حتى يسمع صرخة المولود الجديد، فإذا ما خرجت للنور، انكبَّ على يد وقدم أمي يقبلهما بامتنان، ماسحًا دموع التعب بقميصه، وكأنها ملكة توجت عرش قلبه من جديد.
________________________________________

مائدة التوكل وضيف الهجير

كان والدي يثير جنون أمي الجميل في شهر رمضان المبارك. يعود من صلاة المغرب وبصحبته غرباء تمامًا، يدخلون من باب المنزل بصعوبة لضخامة أجسادهم وزيِّهم العسكري المهيب، وهم أشخاص لم يلتقِ بهم ولم يتعرف عليهم إلا قبل نصف ساعة فقط في المسجد!

سعد: (بصوت يملؤه الحماس واليقين)

"يا أم البنات، أبشري بالخير! هؤلاء ضيوف الله، عابرو سبيل أدركتهم الصلاة معي، وهل يُعقل أن يفطروا في الغربة وبيتي مفتوح؟"

أمي : ( بهمس مذعور وهي تسحبه من طرف ثوبه )

"يا سعد! ارفق بحالنا، أنت تعلم أننا بالكاد نملك طعامنا، ولدينا طفلتان صبيتان تعتمدان على الحليب الذي لا نجد أحيانًا ثمنه، كيف نطعم كل هؤلاء؟"

سعد: (بابتسامة واثقة ويربت على كتفها بحنان)

"يا حبيبتي، الرزقُ ليس بجهدي ولا بجهدك، الرزقُ بيد الرزاق.. (أنفِق يُنفَق عليكِ)، هذا هو شعاري في الحياة، والبيت الذي يُكرم فيه الضيف تملؤه الملائكة بالبركة."

وهكذا كانت حياته؛ مزيجًا من التوكل المطلق، وأذكار الصباح والمساء التي لم تكن تغادر لسانه، وكأنها درع يحفُّ أسرته الصغيرة بالعناية الإلهية.
لم يفرغ بيت سعد يوماً من الطعام، ولم يفرغ حليب رؤى وروعة، كما لم تفرغ مائدته الأرضية القديمة من الأحباب والأقارب؛ تلك الطاولة التي كانت تبدو كوليمة ملكية بفضل طهي أمي الماهر ونفسها الطيب، والتي كان سعد يفاخر بها الدنيا، داعيًا الله أن يديم عليه نعمة وجودها.
________________________________________

ليلة الشحوب والنداء البعيد

في يومٍ عصيب غابت فيه شمس الطمأنينة، وقفت أمي عاجزة أمام ابنتها الكبرى رؤى، التي لم تكن قد أكملت عامها الثالث بعد. كانت الصغيرة تصرخ من ألم غامض ينهش جسدها الغض، وحرارتها ترتفع كالجمر المستعر، ووجهها شحب فجأة حتى صار بلون الليمونة الحامضة، وكأن الحياة تنسحب من عروقها.
كانت أمي حينها في ربيعها الثاني والعشرين، تحمل همَّ امتحان عملي مصيري في اليوم التالي يتطلب وقوفًا مضنيًا في المختبر لثماني ساعات متواصلة. بكت بحرارة وهي تنظر لابنتها الذابلة، ورفعت كفيها للسماء في تلك الشقة المتواضعة، ثم ركضت بجنون نحو الجارة العجوز الطيبة التي كان والدي يتفقدها يوميًا.

أمي : "يا جدتي , ساعديني رؤى تذبل بين يدي، جسدها يحترق ولا أدري ماذا أفعل، وسعد لم يعد من عمله بعد، وأنا وحيدة ولا اعرف كيف اتصرف "

الجدة : (تأخذ الصغيرة بوقار وسكينة) "اهدئي يا ابنتي، لا تجزعي. سأسقيها من عسل النحل النقي الذي وصلني بالأمس من القرية، فالشافي هو الله وحده. اذهبي أنتِ بسرعة لمهاتفة سعد، ودعي الطفلة في رعايتي."

حملت أمي طفلتها الثانية روعة على كتفها، وخرجت تركض في شوارع الحي المظلمة نحو متجر البقالة على ناصية الشارع، حيث يوجد الهاتف الأرضي الوحيد في المنطقة إذ لم يكن للخلوي وجود في ذلك الزمن.
بقلبٍ يرتجف وأصابع مرتعشة، أدارت قرص الهاتف العتيق، وفور سماع صوت سعد عبر الحرارة، انهارت حصونها.

أمي:

"سعد ! تعال فورا رؤى في حالة خطيرة، لم أستطع خفض حرارتها، وصراخها يمزق قلبي..أنا خائفة جدًا!"

سعد: (بصوت حازم حاول أن يداري به رعدته)

"أنا آتٍ يا حبيبتي، دقائق وأكون عندك.. استودعيها الله ولا تفقدي ثباتك."
ترك سعد مكتبه الهندسي في تلك اللحظة، وطاولته التي كانت تضم خرائط أهم مشروع في مسيرته—بناء فندق ضخم كلفه به المكتب—وانطلق كالمجنون نحو بيته، تاركًا خلفه طموحه المهني في كفة، وحياة ابنته في كفة أخرى.
________________________________________

القدر والجينات: المأساة الصامتة

لكن الفرحة بالنجاح والستر وأدتها كلمات الطبيب القاسية في تلك الليلة الظلماء، بعد ساعات من التحاليل والفحوصات في ممر المستشفى الكئيب.

الطبيب: (بلهجة تقطر أسى)

"يا بشمهندس سعد، الأمر ليس مجرد حمى عابرة.. ابنتكم تعاني من مرض وراثي مناعي مزمن يُسمى (أنيميا الثلاسيميا)."

سعد:(بذهول وعدم استيعاب)

" وراثي؟ كيف ذلك يا دكتور؟ نحن في أتم صحةانا وزوجتي, ولم نشتكِ يومًا من علة!

الطبيب:

" هذا هو التحدي؛ أنتما تحملان الصفة الجينية دون أن تظهر عليكما أي أعراض، ولكن القدر شاء أن تجتمع هذه الجينات في جسد رؤى إنه مرض ينخر العظام نخرًا، وآلامه يصفها الطب بأنها تشبه آلام المخاض، وستحتاج لنقل دم مستمر طوال حياتهما؟"
سقطت الكلمات كالصواعق, انهار جسد سعد على الكرسي، وضم الصغرى روعة بين ذراعيه بقوة - والتي أثبتت الفحوصات لاحقًا أنها تحمل ذات المصير- وكأنه يحاول حمايتهما من دمه هو، ومن جيناته التي نقلها لهما بغير قصد.
كان الأب الحنون، الذي يفتديهما بروحه، يشعر في تلك اللحظة بمرارة الذنب؛ فحبه الشديد كان هو القناة التي عبرت من خلالها أوجاع الثلاسيميا لجسديهما.
لقد كُتب على سعد وزهرته الجميلة أن يعيشا حياة تملؤها زيارات المستشفيات، وقضاء الليالي الطويلة بجانب أسرة المرض، يراقبان "رؤى" و"روعة" وهما تنزفان ألمًا، في قصة صمود بدأت بضحكة في حقبة الثمانينات، وتحولت إلى ملحمة صبر أسطورية تحت ظلال العناية الإلهية.

_________________________________________________________________

ثمنُ الحياة

مرت السنة الأولى بعد اكتشاف المرض كأنها دهر من العناء، كانت اختباراً قاسياً لصلابة ذلك البيت الصغير الذي لم يكد يهنأ بضحكات الصغار حتى غرق في أنين المرض.

لم يكن في جيوب "سعد" ما يكفي للمستشفيات الخاصة، فكانت وجهتهم اليومية هي أروقة المستشفيات الحكومية المزدحمة، حيث رائحة المطهرات المختلطة برائحة الفقر والصبر.

كانت "رؤى" و"روعة" تذبلان كزهرتين في مهب الريح، يحتاج جسدهما الغض لنقل الدم بصفة دورية، وكأن في عروقهما ثقوب لا تكتفي بما يُصب فيها.

أصبح سعد وجهاً مألوفاً في بنوك الدم وفي دواوين العائلة؛ يرفع سماعة الهاتف وصوته يتهدج بالرجاء، فما إن يسمع الأقارب والأصحاب نداء "سعد" حتى يسارعوا إليه، فمن من هؤلاء ينسى فضل الرجل الذي بنى لهم جداراً أو أصلح لهم بيتاً؟ كان الجميل يُرد في صورة "أكياس دم"، فصار كل ابن عم وصديق ينتظر دوره ليتبرع لزهرتي سعد، حتى بات يجمعهم رباط دم لم تكن الجينات سببه، بل كانت الشهامة والمحنة.

وفي ليلة من ليالي الشتاء الطويلة والموحشة، كانت أمي محتجزة في المستشفى بالبنتين معاً، فقد داهمتهما نوبة الألم في آن واحد. كان المشهد يفوق طاقة البشر؛ "رؤى" تبكي وتتمسك بطرف ثوب أمي، و"روعة" تصرخ بحرقة على ذراعها الآخر. كانت أمي، وهي الشابة الصغيرة التي لم تذق طعم الراحة منذ أشهر، تمشي بخطوات متعثرة في طرقة المستشفى الباردة، تهزُّ هذه لتنام، وتمسح على رأس تلك لتهدأ، ورأسها يدور، وجسدها يرتجف من الإرهاق والجوع والهم.
في تلك الأثناء، كان سعد في سباق مع الزمن، قد اصطحب أحد أقاربه وتوجها لبنك الدم، يركض بين المكاتب لينهي الإجراءات ويضمن الحصول على الفصيلة المطلوبة. وبينما كانت أمي تحاول أن تظل صامدة، شعرت فجأة بظلمة تغشى عينيها، وانهارت قواها، فسقطت أرضاً وهي لا تزال ممسكة بـ "روعة" كأن غريزة الأمومة كانت آخر ما انطفأ فيها.

هرع الممرضون لحملها، وبعد فحوصات سريعة في الطوارئ، جاءت الطبيبة لتبشرها بخبر نزل عليها كالصاعقة:

"يا مدام، يبدو أن الإرهاق الشديد سببه أنكِ حامل في شهرك الثاني."

فزعت أمي، وجفَّت الدموع في عينيها من هول الخبر, تذكرت كلمات الطبيب التي جاءت متأخرة جداً: "لا انصحكما بالانجاب مجدداً، فجيناتكما ستحكم على كل أنثى تولد بالمرض ذاته".

كيف ستحتمل جسداً ثالثاً يئن؟ وكيف ستوزع حزنها وقلبها على ثلاثة؟
وفي تلك اللحظة، دخل سعد المنهك، يحمل في يده كيسين من الدم كأنهما كنوز الأرض، ليرى أمي ممدة على السرير والوجوم يكسو وجهها. اقتربت منه الممرضة والابتسامة تعلو وجهها قائلة: "مبروك يا بشمهندس، المدام حامل، لابد ان تهتم بأكلها وراحتها."

تجمدت الدماء في عروق أمي، وتوقعت أن ينهار سعد أمام هذا العبء الجديد والمخاطرة المروعة، لكن سعد "المتوكل" فعل ما لم يتوقعه أحد! وضع أكياس الدم بعناية، وبحركة تنم عن إيمان يهز الجبال، خرَّ ساجداً لله على بلاط المستشفى البارد، سجدة شكر طويلة، سجدة مَن يرى العطايا في قلب المحن.
قام سعد، والدموع تغسل وجهه المرهق، واقترب من أمي المذعورة، أمسك يدها وقبلها بحرارة، ثم انحنى وقبل قدميها أمام دهشة الجميع، وقال بصوت يملؤه اليقين الذي لا يتزعزع:

" الحمد لله.. الحمد لله يا أم البنات. لا تخافي ولا تحزني، الذي رزقنا إياها سيتولى أمرها. كل شيء سيكون على ما يرام، الله لا يضيعنا أبداً، وهذا الضيف الجديد سيأتي ومعه رزقه وشفاء أخواته بإذن الله."

كانت كلمات سعد في تلك الليلة هي الحصن الذي احتمت به أمي من رعب المستقبل، ففي عز العاصفة، كان يرى هو يد الله التي ترتب كل شيء بجميل قدره.

Address

United States
New York, NY

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when فاطمة سعد - الكنز في الرحلة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category